الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

469

الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل

ودليل على قرب منزلتهم من الله ؟ بل لا يشعرون أن كثرة أموالهم وأولادهم نوع من العذاب ، أو مقدمة للعذاب ولعقاب الله ، إنهم لا يدركون أن ما أغدق عليهم ربهم من نعم إنما هو من أجل أن يتورطوا في العقاب الإلهي . ويمسي عقابهم أشد ألما ، لأن الإنسان إذا أغلقت دونه أبواب النعمة ثم حل به العذاب ، فقد لا يكون بتلك الدرجة موجعا ومؤلما أما الذين يعيشون في أوساط مرفهة ثم يلقى بهم في دهاليز السجون والزنزانات المرعبة ، فسيكون ألم ذلك شديدا عليهم جدا . كما أن زيادة النعمة من شأنها أن تزيد حجب الغفلة والغرور عليهم فتمنعهم من العودة إلى طريق الصواب . وهذا هو ما أشارت إليه معظم آيات القرآن في قضية ( الاستدراج في النعم ) ( 1 ) . وكلمة " نمد " مشتة من " الإمداد " وهو إتمام النقص والحيلولة دون القطع ، وإيصال الشئ إلى نهايته . وبعد نفي تصورات هؤلاء الغافلين ، تستعرض هذه الآيات وضع المؤمنين والمسارعين في الخيرات ، وتبين صفاتهم الرئيسية ، فتقول : إن الذين هم من خشية ربهم مشفقون . والخشية لا تعني مطلقا الخوف ، بل تعني الخوف المقترن بالتعظيم والتقديس . وكلمة " المشفق " مشتقة من " الإشفاق " ومن أصل : الشفق ، أي : الضياء المخالط للظلمة ، وتعني الخوف الممزوج بالمحبة والإجلال . ولكون الخشية ذات جانب عاطفي ، والإشفاق ذا جانب عملي ، ذكرا معا إيضاحا للعلة والمعلول في الآية . فهي تعني أن الخوف المخلوط بتعظيم الله قد استقر في قلوبهم ، وقد بدت علائمه في أعمالهم والتزامهم بالتعاليم الإلهية . أي أن

--> 1 - للاطلاع بشكل أوسع على موضوع الاستدراج يراجع تفسير الآية 182 من سورة الأعراف .